الشيخ علي المشكيني

131

رسائل قرآنى

وإدراكه الذي به يتصرّف في الأرض بأنواع التصرّف ، فيحدث ما يشاء ، ويخلق ما يريد ، ويخترع شيئاً في جهات عيشه المختلفة ، وطرق حياته المتنوّعة ، فكأنّه لا حدّ لتصرّفه وخلقه ومحدثه ، فهو من هذه الجهة أشبه شيء باللَّه ، وليس في سائر الموجودات ما له هذه المرتبة من الاستعداد حتّى الملائكة ، فإنّ لهم شؤون محدودة ووظائف محصورة ، فمنهم الذين يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ « 1 » ، ومنهم وَالصَّافَّاتِ صَفّاً * فَالزَّاجِرَاتِ زَجْراً « 2 » ، ومنهم وَالنَّازِعَاتِ غَرْقاً * وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطاً « 3 » ، ومنهم فَالْمُقَسِّماتِ أَمْراً « 4 » ، ومنهم فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْراً « 5 » ، فما منهم إلّا له مقام معلوم « 6 » . قال أمير المؤمنين عليه السلام : « ثمّ فَتَقَ ما بين السماوات العلا فملأهنّ أطواراً من ملائكته ، منهم سجودٌ لا يركعون ، وركوعٌ لا ينتصبون ، وصافّون لا يتزايلون ، ومسبّحون لا يسأمون » . « 7 » فالإنسان خليقة عن اللَّه تعالى في قدرته على التصرّف في الأرض ، فألقى اللَّه إليه مقاليدها يفعل فيها ما يشاء . وكذا هو خليفته عنه تعالى في كونه عالماً لما لا يعلمه غيره ، هادياً إلى الصراط المستقيم ، وكونه آمراً بالمعروف ، ناهياً عن المنكر ، محبّاً للصالحين ، رؤوفاً بعباده المؤمنين ، جواداً باذلًا رحيماً ، للضعفاء « 8 » كافلًا ، ساخطاً للأعداء ، مدبّراً قاضياً للحوائج ، ساتراً للعيوب ، مقيلًا للذنوب . ولا نعني بالخلافة عن اللَّه كونه خليفة فيما لا يمكن ولا يعقل في حقّه ، كوجوب الذات ، والأبديّة ، والأزليّة ، وقديماً غير حادث ، ورازقاً غير مرزوق .

--> ( 1 ) . الأنبياء ( 21 ) : 20 . ( 2 ) . الصافّات ( 37 ) : 1 - 2 . ( 3 ) . النازعات ( 79 ) : 1 - 2 . ( 4 ) . الذاريات ( 51 ) : 4 . ( 5 ) . النازعات ( 79 ) : 5 . ( 6 ) . إشارة إلى الآية 164 من سورة الصافّات : وَما مِنّا إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ . ( 7 ) . نهج البلاغة ، ص 9 ، ضمن الخطبة 1 . ( 8 ) . الكافي ، ج 4 ، ص 160 ، ح 2 ؛ كتاب من لا يحضره الفقيه ، ج 2 ، ص 161 ، ح 2032 ؛ تهذيب الأحكام ، ج 3 ، ص 101 ، ح 263 .